انعدام اليقين في الأمر برمته


نظرة عميقة

انعدام اليقين في الأمر برمته

كتبها:

فرانك كوبر

أستاذ مساعد للتواصل العلمي والمشاركة العامة

معهد أثينا – جامعة في. يو. أمستردام

أمستردام، هولندا

العلم وانعدام اليقين في وقت يبحث فيه الناس عن إجابات مؤكدة

 

| الوقت المُقدر للقراءة: 20 دقيقة

 

هذه المقالة منشورة في مجموعة مقالات سبوكس Spokes بعنوان
«ما بعد الحقيقة والتضليل» Post-truth and misinformation

 

نحن نعيش في زمان ينعدم فيه اليقين؛ فبعد أشهر من بدء جائحة فيروس كورونا المستجد، لا نزال نتحسس طريقنا وسط الفوضى والارتباك لفهم ما يحدث في واقع هذه اللحظة. فهناك انفجار معلوماتي عن معدلات العدوى وانتقالها، والوفيات، والمناعة، ودور سلوكنا الخاص وتأثيره، والتأثير في الاقتصاد، والعواقب الاجتماعية والنفسية المترتبة على عمليات الإغلاق والتباعد. وهناك نظريات متنافسة حول أقنعة الوجه، والهباء الجوي، واللقاحات، والعلاج؛ فالمعلومات ليست مكتملة، أو دقيقة، أو واضحة أبدًا.  ومن السهل الضياع بين التحديثات اليومية لحالات المرض والوفيات المبلغ عنها دون الاقتراب أكثر من المعدلات الحقيقية للإصابة والوفيات؛ فلا نعرف الإجابة الصحيحة في تلك اللحظة. وهناك أسباب جيدة تدفعنا إلى تصديق أننا لن نعرف الإجابة الدقيقة أبدًا.

تُبرز أزمة فيروس كورونا المستجد جانبًا طبيعيًّا لحالتنا البشرية؛ ففي كل مرة نواجه فيها حالة غامضة ومبهمة، علينا أن نسأل أنفسنا السؤال «المنطقي» التالي: ما الذي يحدث هنا؟ ومنطقنا دائمًا مقيد؛ فإننا نمنطق الأمور على أساس البيانات الخام والخبرات والمعرفة السابقة المستخلصة من توقعاتنا، وعواطفنا، وقيمنا، واهتماماتنا. وفي غياب الوضوح دائمًا ما نخطو الخطوة التالية؛ إلا أن هذا يمكننا من اجتياز واقعنا المعقد. فعلى الرغم من أن هذا جزء شائع من حياتنا، يصعب جدًّا على معظمنا الاعتراف بأوجه عدم اليقين المتأصلة في فهمنا للعالم.

 

لا نعرف الإجابة الصحيحة في تلك اللحظة.
وهناك أسباب جيدة تدفعنا إلى تصديق أننا لن نعرف الإجابة الدقيقة أبدًا.

 

دائمًا ما كنت مفتونًا بهذا الموضوع؛ ففي إطار عملي باحثًا وميسرًا للحوار بين العلم والمجتمع، كثيرًا ما أشهد الصراع المتعلق بالتعامل مع انعدام اليقين. وأعتقد أن الأمر يرجع إلى افتراضات متأصلة حول ماهيتنا وكيفية ارتباطنا بالعالم. بالطبع، لم أكن لأتوقع أن يصبح موضوع انعدام اليقين ملحًا للغاية اليوم؛ وفي هذه المقالة، هدفي الكشف عن علاقتنا بانعدام اليقين، واستكشاف ما نحتاج إليه لتقبله واحتوائه في التواصل حول العلم.

 

لماذا يعد انعدام اليقين جزءًا من العلم؟

بطريقة ما، نعلم أن العلم يُعجُّ بانعدام اليقين؛ ولكن تكمن المفارقة في أننا نتوقع أن يقدم لنا العلم جميع الإجابات الصحيحة في الوقت نفسه. وفي وقتٍ كهذا بالأخص، هناك نداءً واسع النطاق إلى العلم لتزويدنا بالحقائق والأرقام؛ فنحتاج أن نعرف ماذا نفعل، ولكن كيف سنحدد ما هو حقيقي وما هو خاطئ؟ وبمن يمكننا الوثوق لتحديد هذا لنا؟ يجب ألا نتوقف عن التطلع إلى العلم، ولكن يجب أن نتوقف عن انتظار اليقين منه؛ فبينما يعتقد كثيرون أن العلم يدور حول ما نعرفه، إلا أنه في الواقع يتعلق بما لا نعرفه. علاوة على ذلك، فإن الاكتشاف العلمي يدفعه الجهل، كما أوضح ستيوارت فايرستين في كتابه الجذاب بعنوان Ignorance أو «الجهل». ولا يتحدث فايرستين عن التجاهل المتعمد للحقائق أو المنطق، بل عن حالة عدم المعرفة التي غالبًا ما تكون بداية العمل العلمي. فلا يتعلق الجهل بالسذاجة أو الغباء، وإنما بسعة طرح الأسئلة؛ قد تظهر الاكتشافات الجديدة جهلًا جديدًا حول موضوع البحث.

على سبيل المثال، صرح العلماء منذ فترة أن الأشخاص الذين تعافوا من كوفيد-19 قد يخسروا مناعتهم ضد المرض خلال أشهر؛ إذ وجدوا أن نسبة استجابة الأجسام المضادة للمرض انخفضت خلال ثلاثة أشهر. هل يعني هذا أن الفيروس يمكنه إصابة المتعافين مرة تلو الأخرى مثل أدوار البرد الشائعة؟ هل يمكن أن يضع هذا الاكتشاف نهاية لفكرة «مناعة القطيع» لحماية مجتمعاتنا مع مرور الوقت؟ ولَّدت تلك الدراسة آلاف من العناوين الإخبارية المرعبة، ولكن مثلما يقول هذا المقال المنشور في موقع «ذا أتلانتيك» فإن الواقع أكثر تعقيدًا بكثير. فالجهاز المناعي مكان غامض، وقد بحثت الدراسة في جزء واحد منه فقط. وكذلك فإنه من الشائع أن تنخفض مستويات الأجسام المضادة دون التأثير على الحصانة بعيدة المدى. فعوضًا عن تقديم الإجابات الصحيحة حول المناعة ضد كوفيد-19، تثير الدراسة أسئلة جديدة حول الذاكرة المناعية ودور الأجسام المضادة فيما يتعلق بأجزاء أخرى من الجهاز المناعي.

 

قد تظهر الاكتشافات الجديدة جهلًا جديدًا حول موضوع البحث.

 

تبرهن هذه القصة أيضًا أن السعي وراء المعرفة العلمية يواجه أنواع مختلفة من انعدام اليقين. أولًا، هناك شك حول الحقائق والأرقام؛ ويرتبط هذا النوع من انعدام اليقين بعدم دقة ملاحظاتنا للعالم. وينتج هذا من الخطأ الإحصائي بالإضافة إلى افتقار الأدلة العلمية. ومن ثم يأتي انعدام اليقين المتعلق بالنماذج؛ ويشير هذا النوع إلى عدم موثوقية طرقنا في النظر إلى العالم، المنصوص عليها في النماذج التي نستخدمها. فتشكل النماذج العلمية تبسيطًا ضروريًّا للعالم الحقيقي، وتستخدم البيانات أو الملاحظات التجريبية لفهم الأنماط أو إنتاج التنبؤات. هناك حكمة صاغها جورج بوكس في عام 1976، يقول فيها: «جميع النماذج خاطئة، ولكن بعضها مفيد»؛ فيحذر العلماء من الاستخدام غير الملائم للنماذج العلمية. تُبنى النماذج على الافتراضات التي لم تختبر بالضرورة؛ فعلى سبيل المثال، في دراسة انتقال كوفيد-19، تعتمد النماذج على افتراضات عن سلوك الأشخاص: كيف يختلطون ويتفاعلون، وكيف يستجيبون إلى التعليمات، إلخ. لفهم الفرق بين انعدام اليقين الواقعي والنموذجي، ألق نظرة على السؤال التالي: ما النسبة المئوية للسكان الذين يتمتعون حاليًا بالمناعة؟

في هولندا قيس هذا الرقم بنسبة 5.5٪ في بداية يونية؛ وقد تكون لأوجه انعدام اليقين الواقعية حول هذا الرقم علاقة بالقصور في الإبلاغ عن الحالات أو التباين داخل عينة سكانية ما، بينما ترتبط حالات انعدام اليقين النموذجية، على سبيل المثال، بمسألة كيفية تعريف المناعة. فتعتمد نسبة 5.5٪ هذه على قياس مستويات الأجسام المضادة، مرة أخرى متجاهلة أجزاء أخرى من استجابة الجهاز المناعي. والنوع الثالث والأخير من انعدام اليقين ينتج عن عدم تحديد الأنظمة المعقدة؛ فتجعل العشوائية في العالم من التنبؤ بالمستقبل أو إدراك كل الاختلافات الممكنة أمرًا مستحيلًا. إن المستقبل الذي نحاول أن نتنبأ به لا ينتظر منا أن نكتشفه، ولكننا نشكله باستمرار ونعيد تشكيله من خلال أحداث غالبًا ما تكون خارجة عن إرادتنا؛  وهذا يعني أنه من المستحيل القضاء على انعدام اليقين والجهل.

 

عوضًا عن توفير الإجابات الصحيحة، تثير الدراسات الجديدة أسئلة جديدة.
حقوق الصورة: 123RF/MICROGEN

 

هناك جانب إضافي آخر علينا مناقشته هنا؛ لأنه يؤثر أيضًا في حدود العلم إلى حدٍّ كبير، وهو ما يُطلق عليه أحيانًا «الجانب الناعم للعلم». فغالبًا ما يبدو أن العلماء يتكلمون بالنيابة عن الواقع؛ ولكن العلم ممارسة بشرية. إذا كنت ترغب في دراسة مناعة المجتمع، يتعين عليك أولاً تحديد ما يمكن اعتباره مناعة. ولذلك، لا يمكن الفصل بين الحقائق والأعراف؛ فهما مرتبطان بشكلٍ وثيق ومتشابك. الحقائق تنتجها القياسات، وكذلك بالتعريف، والتفسير، والتصنيف، وتصميم التجارب الجديدة؛ أي أن الحقائق نتاج الخيارات البشرية. على الجانب الآخر، فإن القيم والافتراضات عادةً ما تُحجب من العملية؛ فالرسم البياني الذي يوضح مناعة السكان ضد معدلات الانتقال لا يكشف القيم التي شكلت القياسات المعنية. وطالما يقترح العلماء أن حقائقهم تعكس الواقع، فإن افتراضاتهم وخياراتهم الضمنية ستحدد كيف نرى العالم.

 

كيف نرتبط بانعدام اليقين؟

انعدام اليقين أمر لا مفر منه؛ فهو جزء من كيفية ارتباطنا بالعالم، من حيث الفهم المشترك والعلمي على حدٍّ سواء. وفي العلم، يُعدُّ انعدام اليقين أمرًا أساسيًّا لتطوير أسئلة جديدة واختبار الأفكار: انعدام اليقين أمر جيد. بالنسبة إلى العلماء، فإن انعدام اليقين جزء مألوف من عملية البحث، كما يؤكد هذا الدليل من مجموعة الدعوة العلمية «استشعار العلم». فيقبل أغلب العلماء فكرة أن البحث العلمي لن يصل إلى اليقين التام أبدًا، وفكرة أن الاكتشافات البحثية تقود إلى أسئلة جديدة فكرة شائعة. بتجميع البيانات واختبار الافتراضات، يهدف العلماء إلى الحدِّ من عدم اليقين؛ وما إذا كان الأمر مبررًا أم لا، فهذا يعتمد على أنواع انعدام اليقين المتضمنة. قد يجادل علماء الاجتماع وفلاسفة العلم بأن الافتراضات الضمنية في النماذج العلمية غالبًا ما تُقلل بشكل كبير، أو على الأقل، لا تفحص بشكل نقدي. علاوة على ذلك، تبتلى العلوم الحديثة بمجموعة من الحوافز – التمويل التنافسي والمقاييس المهنية – التي تكافئ البحث عن الإجابات الصحيحة والمكاسب السريعة والإصلاحات التكنولوجية، وتجعل من الصعب تقبل انعدام اليقين بالطريقة التي اقترحها مؤلفون مثل فايرستين.

تزداد القصة سوءًا بمجرد دخولنا المجال العام؛ فعلى الرغم من أن العلماء عادة ما يكونون على دراية جيدة بأوجه انعدام اليقين التي ينطوي عليها عملهم، إلا أنهم غالبًا ما يترددون في توصيل ذلك بوضوح؛ سواءً كان ذلك للجمهور العام أو السياسي. وكثيرًا ما يجد الصحفيون وغيرهم من موصلي العلوم صعوبة في توصيل انعدام اليقين؛ فيميلون إلى تجاهله في تقاريرهم. فغالبًا ما يشعر العلماء وموصلو العلوم بالقلق من أن يؤدي توصيل انعدام اليقين فقط إلى إرباك الجماهير، أو إثارة الانتقاد، أو الإشارة إلى عدم الكفاءة، أو حتى تقليل ثقة الجمهور في العلم. ويخشون أيضًا أن تدعم المناقشة العلنية لانعدام اليقين دوافع أولئك الذين يستغلون وجوده لمصلحتهم الخاصة. وبالطبع، كثيرًا ما يُستغل انعدام اليقين العلمي بشكلٍ سئ؛ فشرح كل من ناعومي أوريسكيس وإريك كونواي في كتابهما الرائد Merchants of Doubts أو «تجار الشكوك» كيف استغلت تحالفات من كبار العلماء، والسياسيين، ومجموعات المصالح، والشركات، ووسائل الإعلام حالة انعدام اليقين لتضليل الجمهور لعقود بشأن قضايا ما، بدايةً من التبغ والأمطار الحمضية وصولًا إلى الاحترار العالمي. وفي السنوات الأخيرة، أدت فكرة مجتمع ما بعد الحقيقة، مدفوعة بصعود الشعبوية وانتشار الأخبار الزائفة، إلى جعل العلماء أكثر ترددًا في مشاركة الغموض والشكوك المتأصلة في عملهم.

تشير دراسة حديثة نُشرت في 23 مارس في دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (الولايات المتحدة الأمريكية) – Proceedings of the National Academy of the Sciences (USA) – إلى أن الاعتراف بانعدام اليقين لا يضر في الواقع بثقة الجمهور. وتفرق الدراسة بين انعدام اليقين المعرفي – حول حالة العالم في الماضي والحاضر – وانعدام اليقين العشوائي – حول حالة العالم المستقبلية. يرتبط انعدام اليقين المعرفي بانعدام معرفتنا وفهمنا؛ فيتوافق مع النوعين الأولين من انعدام اليقين اللذين ناقشتهما أعلاه: انعدام اليقين الواقعي والنموذجي؛ بينما يرتبط انعدام اليقين العشوائي بالعشوائية الطبيعية وعدم القدرة على التنبؤ بالعالم، وبالتالي فهو يتوافق مع النوع الثالث من انعدام اليقين. في حين اُعترف بانعدام اليقين العشوائي على نطاق واسع ودُرِّس جيدًا نسبيًّا، فلم يحظَ انعدام اليقين المعرفي بالاهتمام نفسه، سواء من حيث البحث أو المناقشة العامة.

ولفترة طويلة، كانت الأدلة التجريبية المتعلقة بآثار توصيل انعدام اليقين المعرفي محدودة ومختلطة؛ فيدَّعي مؤلفو هذه الدراسة الجديدة أنهم من أوائل الذين درسوا آثار توصيل انعدام اليقين المعرفي بشأن الحقائق والأرقام والأدلة على ثقة الجمهور. وقد أجروا سلسلة من تجارب علم النفس الاجتماعي، بما في ذلك تجربة ميدانية فريدة استضافتها بي. بي. سي. نيوز عبر شبكة الإنترنت؛ حيث قدم للمشاركين نصًّا قصيرًا أو عنوانًا رئيسيًّا ينقل قضية علمية تليها سلسلة من الأسئلة لتقييم الموثوقية المتصورة. فأظهرت النتائج أن المشاركين تمكنوا من التعرف على انعدام اليقين وإدراكه؛  غير أن الانفتاح على انعدام اليقين لم يقلل الثقة بدرجة كبيرة. ووفقًا للمؤلفة الرئيسية، آن مارث فان دير بليز، عالمة النفس في جامعة جرونينجين: «تشير هذه النتائج إلى أنه يمكن للناس التعامل مع الحقيقة حول مستوى اليقين أو انعدامه في الحقائق والمعرفة العلمية».  وقال أحد المحققين الرئيسيين، الأستاذ دايفيد سبيجلهالتر من جامعة كامبريدج: «نأمل أن تساعد هذه النتائج على طمأنة جميع موصلي الحقائق والعلوم بأنهم يمكنهم أن يكونوا أكثر انفتاحا وشفافية بشأن حدود المعرفة البشرية».

 

الاعتراف بانعدام اليقين في الواقع لا يضر بثقة الجمهور.

 

توفر دراسة فان دير بليز وسبيجلهالتر وزملائهم إرشادًا قيّمًا للتواصل المفتوح حول الحقائق والأرقام العلمية؛ إلا أن المشكلة أعمق من ذلك. فعلى الرغم من أن الغموض وانعدام اليقين موجودان في كل مكان، إلا أنه مع بروز الجائحة الحالية يميل معظمنا إلى التشبث باليقين. فإن قيمة اليقين متأصلة بعمق في ثقافتنا، وعلمنا، ومؤسساتنا؛ الأمر الذي ينعكس في ما أطلق عليه الباحث في دراسات العلوم والتكنولوجيا تريفور بينش، تفكير الجمهور المتقلب حول العلم. بالنسبة إلى كثيرين، يتعلق العلم باليقين، ويُنظَر إلى العلماء على أنهم قوى عليا تُنزل الحقائق المقدسة من جبال الطبيعة؛ وعندما يصاب الناس بخيبة أمل جرَّاء هذه النظرة – لأن العلماء يرتكبون أخطاء، أو تفشل الحلول، أو لا تزول المشاكل – فإنهم يتحولون إلى النظرة البديلة وهي أن العلم مؤامرة سياسية احتيالية. وفقًا لبينش، تكمن المشكلة هنا في النظر إلى العلم (والعلماء) على أنه نقي، عوضًا عن كونه نشاطًا بشريًّا (غير معصومًا) كما هو بالفعل؛ ومن المثير للاهتمام أن كلاً من نظرتي «العلم باعتباره حقيقة مطلقة» و«العلم كمؤامرة» تحيدان عن الافتراض الإشكالي نفسه بشأن طبيعة العلم.

ما يلي هو أننا إذا أردنا تحسين طريقة تعاملنا مع انعدام اليقين، فعلينا تغيير طريقة تفكيرنا في العلم؛ وإلى حدٍّ ما، هذا هو الاتجاه الذي بدأ يتحقق بالفعل. فيتغير منظور وسائل الإعلام فيما يخص انعدام اليقين؛ على الأقل جزئيًّا، فبسبب ظهور التواصل عبر شبكة الإنترنت، أصبحت المعرفة المتنازع عليها، والخبرة المنقسمة والخلافات بين العلماء جزءًا لا يتجزأ من المشهد الإعلامي. ويعمل المؤلفون مثل فايرستين على زيادة الوعي بانعدام اليقين والجهل العلمي كقوة دافعة للتطور العلمي والتطور الحياتي؛ ومع ذلك، لا تزال قيمة انعدام اليقين أقل أهمية في السياسة وبين الجمهور. علاوة على ذلك، فإن إعادة التفكير في افتراضاتنا حول العلم وعلاقته بالمجتمع أمر صعب؛ وأحد الأمور المهمة عدم العودة إلى نموذج علمي قديم وغير واقعي، ولكن احتضان الجانب الإنساني من العلم على حقيقته. ورغم الصعوبات، فمن الممكن حدوث تغيير؛ فيمكن لمراكز العلوم ومتاحفها أن تقوم بدور مهم حقًّا في وضع قصص جديدة للعلوم والثقافة العلمية تتيح المجال لتوصيل أوجه انعدام اليقين والغموض العلمي بكل قوة وانفتاح.

 

توصيل انعدام اليقين في مراكز العلوم ومتاحفها

مراكز العلوم ومتاحفها هي أماكن قائمة تختص بتعليم العلوم،  وفي السنوات الماضية، تحول عديد منها من مؤسسات تركز على العلوم وتدور حول المعلومات والتعليم إلى أماكن تشجع على الحوار والمشاركة في القضايا الاجتماعية حول العلم. فلم تعد تقدم المعلومات فحسب، بل تسعى نشطة إلى إدارة محادثات مع زوارها، وفي إطار جهودها للإبقاء على الصلة مع مجتمعاتها تقوم مراكز العلوم ومتاحفها بدور سياسي أكثر؛ فتساعد زوارها على تكوين رأي والمشاركة بنشاط في القضايا الاجتماعية العلمية، كما أظهر أكيام وسولبرج في استطلاع رأي للعروض التقديمية في مؤتمر إكسايت لعام 2013. تتعامل مفاهيم المتحف المعاصرة مع الموضوعات العاجلة والمثيرة للجدل، مثل: ارتفاع مستوى سطح البحر، أو الذكاء الاصطناعي، أو الحياة الاصطناعية؛ حيث يتجلى انعدام اليقين في تلك الموضوعات بصفة دائمة. ومع ذلك، على الرغم من دور انعدام اليقين الرئيسي في العلم، وعلى الرغم من وجوده في كل مكان في التحديات المجتمعية والموضوعات المثيرة للجدل، فإنه يؤدي فقط دورًا ثانويًّا في معظم العروض التقديمية والأنشطة الخاصة بمراكز العلوم ومتاحفها.

من الواضح أن انعدام اليقين ليس عنصرًا أساسيًّا في مفاهيم المتاحف؛ فقد لا يدرك موصلو العلوم وأمناء المتاحف في مراكز العلوم ومتاحفها قيمة انعدام اليقين بدرجة كافية. ومن المرجح أن انعدام اليقين ما زال محاطًا بهالة من الفشل، ويُعتقد بأنه يقود الطريق إلى نقاط ضعف غير مرغوب فيها في أوقات الشعبوية والأخبار الزائفة والمعلومات المضللة. ولكن من الممكن وجود أسباب أخرى كذلك؛ فتقول ليوني ريني، في مساهمتها في كتاب عن تعليم العلوم عام 2020 إنه من شأن التجارب العلمية في مركز علمي أو متحف أو محاضرة أن تجعل المعرفة العلمية تبدو أكثر يقينًا مما هي عليه. قد يكون التفسير المحتمل هو أن المحاضرين يبسطون المحتوى المعقد، ما يجعله يبدو أكثر تحديدًا وأقل غموضًا. كما تخلت معروضات درستها عن بعض الجوانب التي قد تكون مثيرة للجدل وانعدام اليقين في العلم، سواء عن طريق الإغفال، أو التبسيط المفرط، أو التقديم غير الفعال. وتنبهنا ريني إلى أن المشاركة في القصة العلمية أمر بالغ الأهمية، سواء تعلق الأمر بمحاضرة أو معروضة: المشاركة التي تسمح للزوار بالتوقف، والتفكير، وتحدي ما يقابلونه بشكل نقدي، بما في ذلك افتراضاتهم الخاصة. فالتواصل الفعال يتطلب حوارًا ثنائي الاتجاه، ومن شأن زيارة مركز أو متحف علوم أن تكون وسيلة ممتازة لكي يتعلم المواطنون بشأن انعدام اليقين، والغموض، وعدم المعصومية من الخطأ في العلم والقضايا المتعلقة بالعلم في المجتمع. وللأسف، فإن النتائج التي أقرتها ريني تظهر أن تقديم العلم على أنه واقعي، وغير مثير للجدل، ومفهوم أسهل بكثير؛ وتمشيًا مع ريني، أود أن أقول إننا في الواقع بحاجة إلى معارض معقدة، ومحيرة، ومثيرة للقلق لتمكين الزوار من تحدي وجهات نظرهم.

 

من شأن زيارة مركز أو متحف علوم أن تكون وسيلة ممتازة لكي يتعلم المواطنون بشأن انعدام اليقين، والغموض، وعدم المعصومية من الخطأ
في العلم والقضايا المتعلقة به في المجتمع.
الصورة: معرض وكالة ناسا «الشمس، والأرض، والكون». حقوق الصورة لوكالة ناسا

 

على الرغم من أن عديد من معارض مراكز العلوم تكون ممتعة، وتفاعلية، وتشاركية، إلا أنها غالبًا ما تقدم المعرفة العلمية بطرق غير نقدية؛ حيث ينصب التركيز على تعلُّم الحقائق والنظريات دون الاهتمام كثيرًا بعملية صنع العلم أو السياقات الاجتماعية والسياسية التي يتطور فيها العلم.  قال برونو لاتور في كتابه Science in Action أو «العلم عمليًّا»، إن للعلم وجهان. فمن ناحية، هناك «العلم الجاهز» الذي يتسم بعظمة المعرفة والحقيقة؛ حيث أصبحت الحقائق الراسخة صندوقًا أسود، وأغلقت الشكوك والجهل.  ومن ناحية أخرى، هناك «العلم قيد التطوير» وهو عالم مليء بأوجه انعدام اليقين، والقرارات، والمنافسة، والجدل. اليوم، في عصر الشفافية، حيث أصبح إنتاج المعرفة أكثر تفككًا وأقل تجانسًا بكثير، من المهم ألا ننكر واقعية العلم قيد التطوير. بالطبع، هناك أمثلة لمعارض علمية تُظهر الأعمال الداخلية للعلم بصفته ممارسة بشرية؛ ومن الأمثلة على ذلك معروضة كندية أعدها مركز أونتاريو العلمي باسم «مسألة معرفة الحقيقة»، ويُظهر المعرض العلم بوصفه نشاطًا بشريًّا يشكل جزءًا لا يتجزأ من الثقافة والسياسة. في كتابهما الأخير Controversy in Science Museums أو «الجدل في متاحف العلوم»، يقول بيدريتي ونافاس إيانيني إنه أحد المعارض الأولى في العالم التي تشكك في الشرائع التقليدية للعلم؛ فهو مصمم عمدًا لطرح تساؤلات حول دور التحيز والتحامل والتمييز في العلم. بالانتقال من فحص المهاجرين وعلوم الكواكب إلى بيولوجيا الجنس، أظهر المعرض كيف يتأثر العلم بالخلفيات الشخصية والثقافية والسياسية لممارسيه؛ وعرض المعرض نهجًا ثقافية مختلفة سعيًّا وراء المعرفة، وأظهر كيف يمكن للظروف السياقية أن تؤدي إلى وضع إطار مرجعي معين. كذلك تناقضت المعروضات التي تتطلب القراءة والاستماع تختلف مع المعروضات التجريبية؛ الأمر الذي شجع الزوار على الذهاب في رحلة عاطفية وفكرية، وقد شكك المعرض في الحقيقة من خلال تحدي الافتراضات والمعتقدات وإظهار كيف أن هذه الافتراضات والمعتقدات جزء من ممارسة العلم.

 

يجب ألا نتوقف عن التطلع إلى العلم، ولكن يجب أن نتوقف عن انتظار اليقين منه؛
فإذا بقيت خارج الجدل، فأنت بهذا تكون خارج المناقشة.

 

كثير من العاملين في مراكز العلوم ومتاحفها على دراية بهذه الأفكار؛ فكون العلم نشاطًا بشريًّا واجتماعيًّا هو أمر معترف به إلى حدٍّ ما. ومع ذلك، في تصور المعارض وتصميمها، يبدو أنه من المغري إغلاق عملية التواصل، ودفن الغموض والشكوك، والابتعاد عن الجدل. لماذا يخجل أمناء المتاحف من التعقيدات التي ينطوي عليها الأمر؟ فإذا بقيت خارج الجدل، فأنت بهذا تكون خارج المناقشة. من تغير المناخ إلى كوفيد-19، فإن اللَبس وانعدام اليقين موجودان دائمًا في التحديات المجتمعية التي تواجهها مجتمعاتنا. ونحن بحاجة إلى مراكز العلوم ومتاحفها، لا لشرح العلم فحسب، بل أيضًا لطرح الأسئلة، وتحدي الافتراضات، والمساعدة على تصور مستقبل أفضل. وقد أدخلت فيونا كاميرون مفهوم «المتحف السائل»؛ لتمكين المؤسسات من الاستجابة بمزيد من التصميم إلى التحديات المعقدة في عصرنا. والمتحف السائل يحتوي فوضى عالمنا المعقد وغير المستقر، وترابط مشكلاتنا بالمستقبل، وتعددية المنظورات المعنية. وهذا ليس نظريًّا فقط؛ فكما أشارت كاميرون، يريد الزوار المعاصرون أيضًا من المعارض العلمية معالجة مسائل القيم وأن تقدم تعقيدًا أعمق، فتأخذهم على محمل الجدِّ باعتبارهم أفرادًا أذكياء يمكنهم فهم المعلومات بأنفسهم. وفي مناقشات مجموعات التركيز، أشار الزائرون إلى أنهم يريدون مزيدًا من وجهات النظر، ويقين أقل، ومجموعة أوسع من الأصوات؛ فيقدم المتحف السائل رؤية مقنعة للوسيلة التي يمكن بها لمتاحف العلوم أن تعيد تحديد دورها وهيئتها. واحتضان انعدام اليقين لا يمكن فصله عن هذا التحول.

 

احتضان انعدام اليقين

ازدادت الحاجة إلى توصيل انعدام اليقين؛ ليس فقط فيما يتعلق بكوفيد-19، وإنما أيضًا فيما يتعلق بتحديات مجتمعية أخرى في عصرنا؛ مثل تغير المناخ. إذًا، ماذا يمكننا أن نفعل لاحتضان انعدام اليقين؟ ينبغي أن يكون السؤال دومًا: ماذا نحتاج في هذه المرحلة، في سياق هذه المسألة العلمية أو المتعلقة بالعلم، للتواصل من خلال حوار هادف بكل قوة وانفتاح؟

  • اعترف بوجود انعدام اليقين: لا تحاول إخفاء انعدام اليقين. ميِّز بين انعدام اليقين بشأن الماضي والحاضر (انعدام اليقين المعرفي) وانعدام اليقين حول المستقبل (انعدام اليقين العشوائي). قوِّض افتراض الحقيقة والسلطة المطلقتين بتقديم مفهوم انعدام اليقين. في نهاية الأمر، فإن الناس يُفتنون أكثر بما لا نعرفه عن المعرفة المستقرة.
  • حوِّل الانتباه إلى عملية العلم. توقف عن إبعاد العلم باعتباره سعيًّا عقلانيًّا بحتًا ونقيًّا إلى نحو الحقيقة الموضوعية، واظهره بصفته ممارسة بشرية. فكر في عالِّم يشرح اكتشافًا حديثًا على الراديو؛ ستسمع شيئًا من هذا القبيل: «لقد كنا نعتقد أن أ = ب، ولكننا الآن نعلم أخيرًا أن أ = ج». فماذا يمكن أن يحدث إذا صار البناء الاجتماعي لتلك «الحقيقة» أكثر تجليًّا؟ كيف ستعرف «أ»؟ كيف ستدرس «أ»؟ ما الذي تعده «أ»؟ هذه كلها خيارات يمكن مناقشتها بصراحة أكبر.
  • ركِّز على القيم ووجهات النظر الضمنية. عديد من النقاشات اللانهائية والخلافات المستقطبة تخاض من خلال الحقائق، بينما يكون الخلاف الفعلي موجود على مستوى القيم والرؤى. فعوضًا عن مهاجمة حقائق بعضنا بعضًا، سيكون من الأفضل مناقشة نوع العالم الذي نريد العيش فيه، وما هي مساهمة العلم في ذلك العالم.
  • تَحَدَّ الافتراضات وركِّز على الفهم. فعندما يقدم العلم للجمهور في محاضرة أو معروضة أو نشاط، يكون بالفعل مختارًا، ومترجمًا، ومحولًا إلى قصة. ويحتاج الزوار أو المشاركون بدورهم إلى إعادة هيكلة القصة لجعلها ذات مغزى في سياق خلفياتهم وخبراتهم الأساسية؛ بعبارة أخرى، يجتمع الجانبان في عملية فهم القضية العلمية المعنية. اعترف بالطبيعة الأساسية للفهم واستخدمه بنشاط لتحدي الافتراضات؛ فلن تصبح الرؤى البديلة ممكنة إلا عندما يدرك الناس أن فهمهم لتلك المسألة يتشكل من منظورهم.
  • انخرط في حوار. فمن خلال رؤية الأشياء من وجهات نظر متعددة، يمكننا الحصول على رؤية أشمل لتعقيد القضية المطروحة. وقد نتفق على أن الحقيقة والواقع، حتى في السياق العلمي – شيئان غير موضوعيان، وبالتالي فهما عرضة للتغيير دائمًا.

إن انعدام اليقين متأصل في الممارسة العلمية؛ وهو أيضًا خاصية لا تنفصل عن الحالة الإنسانية والعالم الذي نعيش فيه. فإذا تمكنا من جعل انعدام اليقين جزءًا من المحادثة حول العلم فيما يتعلق بسياقه الاجتماعي والسياسي والتحديات المعقدة لعصرنا، فإن هذا سيساعد على إنشاء علاقات جديرة بالثقة ومثمرة بين العلم والمجتمع. علاوة على ذلك، سيساعدنا هذا على فهم أنفسنا كبشر غير كاملين يتحركون في هذا العالم الفوضوي. قد يبدو هذا محفوفًا بالمخاطر، إلا أنه يستحق المحاولة.

 

المراجع

Cameron F (2015) The liquid museum. New institutional ontologies for a complex, uncertain world. In: Witcomb A, Message K (eds) The international handbooks of museum studies. Museum Theory. Willey, Blackwell, pp 345–361

Firestein, S. (2012). Ignorance: How it drives science. OUP USA.

Funtowicz, S. O., & Ravetz, J. R. (1993). Science for the post-normal age. Futures, 25(7), 739-755.

Nowotny, H., Scott, P. & Gibbons, M. (2002). Re-thinking science. Knowledge and the public in an age of uncertainty. Cambridge: Polity Press.

Pedretti, E., & Iannini, A. M. N. (2020). Controversy in Science Museums: Re-imagining Exhibition Spaces and Practice. Routledge.

Rennie, L. J. (2020). Communicating Certainty and Uncertainty in Science in Out-of-School Contexts. In Values in Science Education (pp. 7-29). Springer, Cham.

 

نُشر المقال الأصلي باللغة الإنجليزية في العدد رقم 66 (سبتمبر، 2020) من مجلة «سبوكس» Spokes الإلكترونية التي تصدرها رابطة مراكز ومتاحف العلوم الأوروبية Ecsite تحت عنوان: «انعدام اليقين» Uncertainty، ويمكنكم الاشتراك مجانًا في مجلة «سبوكس» من هنا.

قامت رابطة المراكز العلمية بشمال أفريقيا والشرق الأوسط NAMES بترجمة المقال ونشره باللغة العربية بتصريح من رابطة مراكز ومتاحف العلوم الأوروبية ومن المؤلف/المؤلفين، وتتحمل NAMES مسئولية هذه الترجمة.

لا يجوز إعادة إنتاج هذا المحتوى، سواء بالإنجليزية أو العربية، بأي شكل من الأشكال، دون الرجوع إلى رابطة مراكز ومتاحف العلوم الأوروبية Ecsite.