هل يمكن أن يؤدي إتقان لغتين أو أكثر إلى تحسين وظائف الدماغ؟


بقلم: إيناس عيسى

من المعتقد على نطاق واسع أن المفكرين النشطين لديهم فرص أفضل للحفاظ على صحة المخ بمرور الوقت. فالأشخاص الذين يبقون عقولهم منشغلة بالقضايا الحديثة يحافظون على قنوات اتصال جيدة مع الآخرين، ويتمتعون بالتغذية الجيدة، وبعادات الترفيه، وبمستوى التعليم، ويستمرون في التعلم طوال الوقت. إلى جانب ذلك، هل يمكن أن يكون لكونك ثنائي اللغة تأثير جيد في صحة المخ وإبطاء شيخوخته؟ هذا ما توصلت إليه دراسة حديثة من جامعة الكلية العليا للاقتصاد في روسيا وجامعة شمال أومبريا في المملكة المتحدة.

ثنائية اللغة والصحة العقلية

غني عن القول أن التقدم العلمي جيد في مساعدة الناس على العيش لفترة أطول ولكن ليس دائمًا بصحة أفضل؛ حيث يمكن أن تتسلل عديد من الأمراض والاضطرابات إلى الجسم والمخ مع تقدم العمر. على سبيل المثال، ازداد عدد حالات الخرف والأمراض العصبية التنكسية الأخرى مؤخرًا بسبب زيادة فترة الحياة.

وفي حين أن أبحاث مكثفة قد درست العلاقة بين الصحة البدنية وتحسين وظائف المخ، فإن هذه الدراسة الجديدة، التي نُشرت في دورية «حدود علم النفس» Frontiers in Psychology، ألقت الضوء على دور ثنائية اللغة في الحفاظ على صحة المخ. فوجد الباحثون أن ثنائية اللغة يمكن أن تبطئ وتقلل من التغيرات المرتبطة بالعمر في المخ البشري.

حقق الباحثون في كيفية إبطاء سرعة الشيخوخة الإدراكية، التي ترتبط بالأداء السيئ للمخ –انخفاض سرعة معالجة المعلومات بشكل عام، وتدهور الذاكرة قصير المدى والعرضي، وانخفاض التحكم في المهارات اللغوية والوظائف التنفيذية والوظائف البصرية المكانية– بتقوية الشبكات العصبية من خلال ثنائية اللغة. ويذكرون أنه كلما كانت الشبكات العصبية أكثر تعقيدًا، زادت الوظيفة الإدراكية للشخص، وكلما كانت التغييرات المرتبطة بالعمر أكثر اعتدالًا.

في الدراسة الأخيرة، أجرى فريق البحث تجارب على 63 من البالغين الأصحاء الذين تتراوح أعمارهم بين 60 عامًا أو أكثر والذين ليس لديهم تاريخ من الاضطرابات النفسية أو التنكسية العصبية. وقد اختيروا ليكونوا على الأقل لديهم معرفة بلغة ثانية، بغض النظر عن مدى طلاقتهم؛ فكان عليهم جميعًا أن يذكروا المدة التي عرفوا فيها هذه اللغة الثانية، ومدى استخدامهم لها، ومدى إجادتهم لها.

 

 

كيف يمكن إبطاء التدهور المعرفي؟

قدمت «مهمة إصدار» للمشاركين، تستخدم لقياس التحكم التنفيذي المثبط من خلال مجموعة من الاختبارات لتقييم الانتباه الانتقائي والوظيفة المثبطة. في هذه المهمة، يوضع الهدف في الوسط وتحيط به محفزات غير مستهدفة؛ بعد ذلك، يُطلب من المشارك الضغط على مفتاح السهم الأيسر أو الأيمن وفقًا لاتجاه الهدف. 

أظهرت النتائج أنه في أصعب اختبار –موقف غير ملائم؛ حيث يشير الهدف والأسهم الجانبية في اتجاهات مختلفة– كان أداء ثنائية اللغة جيدًا. ليس فقط أن يكون الشخص ثنائي اللغة، ولكن أدى أيضًا مستواه وطول فترة تعلمه وممارسته للغة دورًا رئيسيًّا. كلما طالت مدة دراسة الأشخاص للغة ثانية، وكلما كانت طلاقتهم فيها أكبر، كان أداؤهم أفضل في التجربة.

أوضح الباحثون هذه النتائج من خلال ملاحظة أن المتحدثين بلغتين عادة ما يواجهون صراعات مماثلة في الحياة اليومية؛ حيث يتعين عليهم اتخاذ الخيارات والتبديل بين نظامين لغويين، مما يساعدهم على إبقاء أذهانهم حادة ويؤثر بشكل أفضل في الوظيفة الإدراكية.

 

 

اللغة مقابل النشاط البدني

قال فيديريكو جالو، زميل أبحاث مبتدئ في معهد علم الأعصاب الإدراكي بجامعة الكلية العليا للاقتصاد في روسيا: «على عكس العوامل الأخرى التي تشكل الاحتياطي المعرفي، فإن ثنائية اللغة فريدة من نوعها من حيث إنها موجودة باستمرار في حياتنا». ويضيف: «يمكننا التوقف عن ممارسة الرياضة البدنية والتخلي عنها، أو اتباع نظام غذائي أو آخر، أو تغيير الوظائف، إلا أن اللغة تبقى معنا طوال الوقت. فنحن نتواصل ونشاهد الأفلام ونقرأ الكتب، ومراكز اللغات تعمل باستمرار في أذهاننا».

هذا يعني أن فوائد ثنائية اللغة على الوظيفة الإدراكية قد تكون أقوى من تلك الخاصة بالعوامل المعروفة الأخرى، مثل النشاط البدني ، إلخ.

 


مراجع